
تعرضت المنظومة القضائية في ليبا خلال العقود الماضية إلى تدخلات سياسية متعددة أحدثت أثراً مباشراً على رسالتها السامية وأخلت بأدائها الهادف إلى تحقيق العدالة التي تعد حجر الأساس لقيام دولة المواطنة وسيادة القانون والتأسيس لقطيعة كاملة مع أي انتهاك يهدد كيان الدولة المدنية مهما كان مصدره وشكله.
وبالتالي فإن المنظومة القضائية التي أستهدفت للتسيِّس منذ الأسابيع الأولى لقيام النظام السابق في حاجة إلى إعادة النظر في العديد من مناحيها الموضوعية والأجرائية، بما يضمن تحقيق العدالة بين المواطنين التي أختلت موازينها بتدخلات السلطة السياسية التي بدأت بإصدار مجلس قيادة الثورة آنذاك قراراً بتعين رئيس للمحكمة العليا لاغياً بذلك نصاً في قانون المحكمة يقضي بأن رئيس المحكمة العليا تختاره جمعيتها العمومية. وناسفاً مبدأ جوهريا وهوا استقلال القضاء فاتحاً الباب أمام اخضاع المؤسسة القضائية للتسيِّس. ثم توالت بعد ذلك مسلسلات التدخل السياسي في السلطة القضائية من خلال التغيرات التي طرأت على اختيار النائب العام والشروط اللازمة لتوليه المنصب (على أهميته). فبدلاً من أن يكون مستشاراً في المحكمة العليا مكتسباً لخبرة كافية تؤهله لشغل المنصب، أصبحت بدرجة مستشار في محكمة الاستئناف حتى وإن كان حديث الترقية لهذه الوظيفة. (المهم أن توجهاته السياسية تتفق مع رأي السلطة).
إذا اضيف إلى هذا اتجاه النظام السابق إلى تشكيل المحاكم الخاصة والنيابات الخاصة. ذات الخصوصية في التشكيل والاختصاصات. وهو ما أثر سلباً في الأداء العام للمنظومة القضائية التي أصبحت أسيرة للخوف من السلطة السياسية التي سلبتها مكانتها وهيبتها اللازمتين لأدائها مهامها في طمأنينة واستقلال .
هذه لمحة عابرة في محاولة لرصد عوامل الاختلال التي رافقت المرحلة السابقة وتزامنت معها وهو ما ميزها بالتحرر من أية قيود دستورية تضع حداً لتسلط السلطة وتؤسس لترسيخ مبدأ الفصل بين السلطات.
فغنى عن البيان أن تحضّر الأمم والشعوب يُقاس بداية بمدى تحقيقها لمبادئ العدالة بين أبنائها والمحافظة على تطوير هذه المفاهيم بما يتفق والحاجة إلى صياغة حياة مستقرة ومتمدنة تكون السلطة القضائية قوامها وركيزتها وركناً أساسياً لقيامها.
هذه المعطيات الأساسية اقتضت منذ البداية أن يولي الدستور القادم أولوية في غاية الأهمية إلى إعادة تنظيم السلطة القضائية بما يضمن تحقيق الأغراض الموكولة لها. في ظل منظومة قضائية مصونة بموجب القانون الأعلى وهو الدستور. وبما يكفل عدم التضارب في المهام التي تعرقل الوصول إلى الأهداف السامية وهي ( استقلال القضاء وحياده ) ثم (تحقيق العدالة بكل مناحيها ).
هذه المرتكزات الجوهرية هي التي ستكون أساساً في الدستور القادم وتكون معه المحكمة الدستورية العليا حامية للدستور وضامنة لاحترام أحكامه.
إذاً سيكون من مهامها مراقبة دستورية التشريعات بما يتفق مع أحكام الدستور كما يتضمن التوجه الجديد مراجعة الأتفاقيات التي تكون الدولة الليبية طرفاً فيها حفاظاً على الثوابت الأساسية الواردة في الدستور، كما تتولى تفسير النصوص التشريعية والفصل في تنازع الاختصاص بين الجهات القضائية والمحافظة على اتساق الأحكام القضائية وازاحة التضارب بينها.
على العموم فإن هذه المحكمة ستكون صمام أمان لضمان نفاذ أحكام الدستور بالشكل الذي اختاره الليبيين نسقاً لحياتهم السياسية كما أن الوضعية القانونية التي يجري النقاش بشأنها هو أن يشترك في تشكيل هذه المحكمة أعضاء يختارهم رئيس الدولة وأعضاء يختارهم مجلس النواب، وأعضاء يختارهم المجلس الأعلى للقضاء. وهو ما يضفي الشمولية التامة لهذه المحكمة من حيث التشكيل والاختصاص. إذ بإمكانها والحالة هذه ملء أي فراغ سياسي، و الحد من تداعيات حالة الطوارئ بالشكل الذي يضمن المحافظة على الحقوق الدستورية للأفراد أو التقليل من تعطليها وفق حالات الضرورة، وفي أضيق نطاق.
هذا الدور أولاه التنظيم السابق إلى المحكمة العليا الموقرة (بدوائرها المجتمعة) والتي اضطلعت به بكفاءة واقتدار رغم المكدرات التي أحاطت بها في الكثير من الأحكام التي أصدرتها. وقد كان لها دور مفصلي في إعادة الاستقرار المؤسسي للدولة الناشئة.
هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فإنه لابد من الاشارة إلى أن التنظيم القضائي السابق أُسس لقطيعة شبه كاملة بين أعلى هرم السلطة القضائية وهي المحكمة العليا. التي ينظم أحكامها قانون مستقل ينظم طريقة التعيين بالمحكمة العليا والمزايا المالية لأعضائها ويفصح بشكل قاطع أنه لا وجود لأي تناسق بين هذه المحكمة وبقية المحاكم الأدنى التي ينظم شئونها قانون السلطة القضائية المغاير لقانون المحكمة العليا. مما كان سبباً في إحداث تمايز بين أعضاء السلطة القضائية الواحدة المتساوين في الدرجة القضائية.
إن هذه المغايرة أحدثت قطيعة تامة بين أعلى هرم السلطة القضائية وهي المحكمة العليا، والمحاكم الأدنى منها التي ينظم شئونها قانون خاص تحت مسمى قانون السلطة القضائية.
من هنا أضحت الحاجة تلح على إعادة الطائر إلى سربه وأن تعود المحكمة العليا لقيادة المنظومة القضائية وأن تعتلي قمة هرم السلطة القضائية كي تساهم في قيادة السلطة القضائية وتعمل على تطويرها وكفالة نجاعتها و تساهم في تشكيل المحكمة الدستورية العليا. باعتبار رئيس المحكمة العليا رئيساً للمجلس الأعلى للقضاء. يضاف إلى ذلك تكوينها لمجلس الدولة الذي يعتبر سلطة قضائية مستحدثة في دستورنا القادم يتولى إصدار الأحكام في القضايا الإدارية والشؤون الوظيفية والانتخابية. والقضايا المتعلقة بانتهاك حقوق الإنسان التي تنظر جميعها مبتدئة أمام دوائر محكمة الاستئناف ويطعن في الأحكام الصادرة بشأنها أمام مجلس الدولة الذي اضيفت له اختصاصات أخرى تتعلق بصياغة مشاريع القوانين والقرارات ذات الصبغة التشريعية واعداد ومراجعة العقود التي تكون الدولة أو احدى الجهات التابعة لها طرفاً فيها وذلك لجمع الشتات التشريعي بين الهيئات المختلفة التي تولت في السابق هذه الاختصاصات ( الإدارة العامة للقانون، هيئة الفتوى والتشريع، وأخيراً اللجان القانونية في الأجسام التشريعية)، لتحقيق تناسق في الصياغات التشريعية أثناء اعدادها أو مراجعتها كما سيتمكن هذا المجلس من صياغة العقود الإدارية التي تكون الدولة طرفاً فيها للتقليل من حالات الفساد في العقود التي تكون الدولة طرفاً فيها إذا اضفنا إلى ذلك أنه بهذه الاختصاصات تعد ضرورية لجمع شتات التفسير للنصوص القانونية التي كانت موزعة على عدة جهات مما جعلها في كثير من الأحيان خاضعة لهوى السلطة السياسية التي تتضارب مصالحها في أحيان كثيرة.
و يتجه الدستور القادم كذلك إلى ترسيخ المحافظة على حقوق الانسان حيث يشير إلى إحداث دوائر بمحكمة الاستئناف تختص بالنظر في انتهاكات حقوق الانسان وتبعاتها المدنية يُطعن في الأحكام الصادرة عنها أمام مجلس الدولة.
كما تضمن المشروع نظر القضايا الانتخابية أمام دائرة من دوائر الاستئناف لتكون قادرة على تطبيق نصوص القانون في الطعون الانتخابية ويطعن في الأحكام الصادرة عنها أمام مجلس الدولة، (كانت الطعون الانتخابية بموجب قانون انشاء المحكمة العليا سنة 1953 تنظر مباشرة أمام المحكمة العليا) (وتنظر حالياً بأمر ولائي غير مسبب من قاضي المحكمة الجزئية).
كما يتجه الدستور القادم إلى ترسيخ قاعدة نظر جميع القضايا من درجتين من درجات التقاضي في المحاكمات الجنائية. حيث لا يتصور تحقيق العدالة الناجعة من خلال محاكمة المتهمين بجنايات تكون فيها العقوبة مغلظة، قد تصل إلى السجن المؤبد، من درجة واحدة أمام محكمة الجنايات في الوقت الذي تحظى فيه الجنح البسيطة التي لا تزيد عقوبتها في بعض الأحيان عن شهور على درجتين ويطعن في الأحكام الصادرة عنها أمام المحكمة العليا.
إذ لا يمكن في الحالة هذه اعتبار الطعن أمام المحكمة العليا درجة من درجات التقاضي. ذلك أن المحكمة العليا سيقتصر نظرها للدعوى على مراجعة الأحكام والتيقن بعدم مخالفة القانون أو فهمه دون الخوض في معطيات الدعوى أو تمحيص الأدلة فيها .
وبالتالي أصبح مطلب إجراء المحاكمات في الجنايات على درجتين من هيئة ثلاثية أمام المحاكم الابتدائية ومن قضاة لا تقل درجتهم عن وكلاء بالمحكمة الابتدائية ثم يطعن في أحكامها أمام دائرة خماسية بمحكمة الاستئناف ضمانة ضرورية لتحقيق.
هذه التوجهات الجوهرية لا يمكن المحافظة عليها إلا في ظل قضاء مستقل ومحايد يسطّر قطيعة كاملة مع التنظيم القضائي السابق الذي يرأس مجلسه وزير العدل ويعين فيه رئيس المحكمة العليا من مؤتمر الشعب العام، وتدار الدعوى العمومية عن طريق نائب عام تعينه السلطة السياسية ليكون مكتوف اليدين في مواجهتها. وهو ما حدث فعلاً في العديد من القضايا الخطيرة التي تمت إثارتها. ذلك أن من أسس الاستقلال القضائي أن يكون النائب العام مختاراً من المجلس الأعلى للقضاء ونائباً لرئيس المجلس لضرورات عملية تحفظ التوازن الوظيفي بين أعضاء النيابة العامة. وبقية أعضاء الجهاز القضائي.
ولضمان تحقيق عدالة ناجعة فإن المشروع سيتضمن حظر قطعياً أمام انشاء المحاكم الاستثنائية أو الخاصة، كما سيضمن المحافظة على الرقابة المجتمعية للعدالة من حيث التنصيص على علنية الجلسات وسرية المداولات، ولتحقيق الحضور الشخصي للمتهم إلى قاعة المحكمة التي تجري المحاكمة.
إن اتجاه الدستور القادم سيحدث قطيعة كاملة مع الإكراه والتعذيب و انتهاك الحقوق ومحاولات دسترة الأمر الواقع، حتى نضمن بناء دستور مرن يؤسس لواقع جديد قائم على التوافق العادل بين المعطيات القائمة والمطالب الملحة.
أن ترسيم قواعد للحماية القضائية من الضرورات الملحة في الدستور القادم. فقد تضمنت أغلب الدساتير السابقة على عدم قابلية القضاة للعزل . إلا أن المتابع لما مرت به المنظومة القضائية من عزل وأقصاء وتسيس باستخدام لغة الترغيب والترهيب أو النقل أثناء السنة القضائية ألقى بظلاله على نصوص الدستور مما فرض التنصيص على عدم قابلية القضاة للعزل تحصيناً لهم من سطوة السلطة السياسية إلا عن طريق القنوات المشروعة قانوناً، ووفقاً لمعطيات عملية فنية أو مسلكية يتضمنها قانون السلطة القضائية. إذ لا يمكن قبول القول والحالة هذه بأن النقل أثناء الحركة القضائية وبعد سريانها ودخولها حيز التنفيذ ليس عزلاً قضائياً.
وبالتالي فإن تقرير هذه الحماية دستورياً من المسائل المهمة في الدستور القادم.
تبقى مسألة مهمة في هذه الناحية وهو الالتزام بتحديث الجهاز القضائي ودعمه بالميكنة اللازمة لتطويره وكذلك الرفع من قدرا أعضاء وربطها بالحالة القضائية في الدول المتقدمة. سيكون له بالغ الاثر على العملية القضائية بكافة مناحيها.
|
ضو المنصوري عون رئيس لجنة السلطة القضائية والمحكمة الدستورية العليا بالهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور |






عدد الزوار منذ 28-09-2014